حصاد البذور أخبات في جعبتها طبيباً
لم يكن كأي طفل أو شاب فلسطيني، فطفولته مزجت
ما بين الفلاحة والتعليم ليكون عنوانه الأول في الحياة المنجل في يدي والقلم في
اليد الأخرى، و كما يقول المثل الشهير "لكل من اسمه نصيب"، فمن اللحظة
التي نطق بها والده باسمه "فايز" بدأت النجاحات تتزاحم في حياته ليكون
مثالاً يُحتذى به لكل طالب و معلم وأب.
فما ناله من الشقّ الأول من اسمه جعله يُحققُ
الفوز المُحتم بكل ما قد يظهر أمامه من فرص ويُزيل بذكائِه كل ما قد يكون عائقا في
طريق نجاحه، أما الشقّ الأخر من اسمه فأخد منه رجاحة العقل والحكمة للتعامل مع كلّ
من حوله.
نشأ الدكتور فايز عقل في قرية ديراستيا، في
عائلة بسيطة كادحة تعتمد على خير الأرض وزيتها في تأمين لقمة عيش كريمة لأطفالها،
فكان والده مثالا للفلاح الفلسطيني الطموح الذي يستيقظ في كل صباح حاملاً معه
الفأس و الزواده متجهاً إلى أرضه للإعتناء بها وحراثتها، فهي العرض والشرف ورمز
الحياة.
يقول عقل "كان والدي فلاحاً أُميّ ،
يقضي جُلَّ وقته في الزراعة، لطالما كنت سباقاَ دائماً لمساعدته في الإعتناء
بمحاصيلنا الزراعية من زيتون وحمضيات، إلّا أنه لم يكن يطلب مني المساعدة، فكان
دائما ما يقول لي "أُريد أن أراك في منصب رفيع بين الأطباء، أُريدك وإِخوتك
في مراتب علمية عالية يا ولدي، اذهب حيثُ دراستك واهتم بحقيبتك المدرسية واترك شأن
الأرض والفلاحة لي و لوالدتك."
ويضيف عقل كنا نخرج أنا وأخي فواز من المنزل متجهين إلى
المدرسة، كنت أكبرُ فواز بربيعين، وكنت دائما ما أحب أن أسمع المديح من أستاذ
اللغة الإنجليزية لطالما كان يقول لي "فايز إنتَ أشطر من أخوك فواز
بالإنجليزي" ،يضحك الدكتور فايز- وهو يقول "أجل كنت أحب تلك الكلمات
ولكن ليس أمام أخي كي لا تُشعل فتيل غيرة بيننا".
ويوضح كنا في كل يوم نخرج بعد إنتهاء يومنا الدراسي
للعب مع الأصدقاء وقضاء وقت ممتع مع الأصدقاء الوقت الذي قد مر من أمام أعيني كبرق
الشتاء.
تلك كانت ألمع ذكريات الطفولة التي علقت في
ذاكرة الدكتور فايز، لينتقل بنا في حديثه إلى مرحلة أخرى وهي مرحلة الشباب.
يصف الدكتور فايز الشباب بقوله "مرحلة
الشباب هي مرحلة القوّة وتكوين النفس وبناء الذات وهي الحجر الأول الذي تضعه لتبني
عليه مستقبلك.
أذكر موقفاً حصل معي وأنا في الثاني ثانوي (التوجيهي)،
ففي بداية عامي الدراسي اخترت الفرع العلمي دون الفروع الأخرى، ولم يكن هذا التخصص
متوافر في مدرسة قريتي، فكنت أذهب إلى مدرسة سلفيت الثانوية للبنين على مدار العام
الدراسي وأواجه العديد من الصعوبات في الوصول للمدرسة كونها بعيدة جداً عن المنزل
فكانت تستغرق الطريق ساعة أو أكثر مشياً على الأقدام نظراً لعدم توافر المواصلات.
وعند إقتراب الإمتحانات
النهائية قررت مع بعض الأصدقاء بتقديم طلب نقل لوزارة التربية والتعليم لمدرسة كفل حارس كونها أقرب من
مدرسة سلفيت وقدمنا طلب النقل لكن في صباح اليوم التالي كان الأصدقاء قد سحبو طلب
النقل خوفا من أبائهم لكني أصريت و بقيت صامد على موقفي لحين تم نقلي إلى المدرسة
بعد مدة أسبوع.
انتهت تلك الضغوطات بحصولي على معدل 82.4 كان المعدل
كانت شهادة الثانوية العامة أول إنجاز أحققه في حياتي كوني فخورا بنفسي و فخورا
بعائلتي لأنتقل لتفكير بعدها لدراسة الجامعية وتقرير مستقبلي و مصيري.
الأردن أول محطات غربتي
اتخذت قراري بإكمال
تعلّم اللغة الإنجليزية في جامعة اليرموك، لتكون المرة الأولى التي أغترب فيها عن
عائلتي، أقمت هناك لمدة ثلاث سنوات ونصف في مدينة إربد،وحصلت على تميز كبير خلال
دراستي الجامعية لشهادة البكالوريوس لأحصل على معدل تفوق في أول فصل دراسي لي في
الجامعة وأنهيت الدراسة في ثلاث سنوات ونصف لأكون من أوائل دفعتي السابق لرؤية
دراسة جديدة هدفي التالي كان رسالة الماجستير.
وظائف مؤقتة
اتجهتُ إلى الكويت لأعمل مُدرّساً لمدة 4 سنوات
متتالية، كنت أُدرّس بمدرسة (عبد الكريم السعيد الابتدائية للبنين)، وأتقاضى 155
ديناراً كويتياً، وفي ساعات المساء كنت أعمل بوظيفة إضافية في ميناء الشويخ، كانت
وظيفتي إدارية استمريت فيها لمدة عام واحد
فكنت أتقاضى 150 دينار كويتي، ثم
قدّمت استقالتي فلم أكن من محبي هذا العمل، كنت أصرف مما أتقاضاه على والدي
ووالدتي في القرية، وأُرسل لأختي وأخي عزّام أقساطهم الجامعية وما يحتاجونه من
مصروف.
أخر
محطاتي الدراسية
بعد مرور الأربع سنوات عادت أختي إلى
البلاد لتعمل مدرّسة في مدرسة كفل حارس،
وأنا تركت التدريس في الكويت لأعود طالباً من جديد وأُكمل مسيرتي التعليمية في
الولايات المتحدّة الأمريكية.
جمّعت
أغراضي اللازمة، وجهّزت حقائبي وأوراق السفر متخذاً من المطار وجهتي الرئيسية،
وصلت نيويورك في الثاني من تموز عام1981،
كنت في الثامنة والعشرين من عمري، لم يكن صعباً عليّ التأقلم مع المجتمع هناك فهي
ليست المرّة الأولى التي أغترب فيها عدا عن أنّي تعرفت على زميل من سكّان مدينة
اربد اسمه وليد كنّا ندرس معاً في جامعة نفس الجامعة ونتشارك في نفس السكن. (The State University
of New York at Buffalo)
في أحد الأيام بينما كنت متجهاً إلى الجامعة
جاء صديقي وليد إليّ ولكن كان كغير عادته ، شعرت أنه يُريد أن يُخبرني بشيء سيء
فكانت تعابير وجهه توحي لي بالحزن، وبالفعل أخبرني أن والدي قد توفي، كان ذلك في
صباح يوم الاثنين من شهر ديسمبر من العام نفسه، شكّل الخبر صدمة مفجعة لي، فلم أكن
اعلم أن مرضه قد تفاقم لتلك الدرجة، لم أتمكن في ذلك الوقت من الرجوع للوطن وتوديع
والدي قبل أن يواري الثرى، فوقعت في حيرة بين العودة لتوديع والدي، وبين تكملة
دراسة الماجستير وعدم الذهاب للجنازة.
حصلت أثناء دراسة الماجستير في الفصل الدراسي
الأول على ثلاثة امتيازات وعلامة جيد جداً، وفي الفصل الثاني على أربعة امتيازات،
بعد انتهاء السنة الدراسية الأولى و حصولي على التميّز قررت الجامعة أن توفر لي
مكتباً خاصاً لدعم أبحاثي و إعطائي الفرصة لأجتهد فيها.
بعد أن
أنهيت الماجستير، بدأت مباشرة بدراسة الدكتوراه في نفس الجامعة، كانت أطروحت الدكتوراه خاصتي بعنوانNon-Nominative
Subjects in Kashmiriكانت تختص بعلم اللغويات
وتحديداً بعلم النحو.
قدّمت بحثي وانتهيت أخيراً من كل المراحل
التعليمية التي كنت أحلم بالوصول لها، والتي كانت أيضاً حلم لعائلتي ووالدي.
العودة
لديار الوطن
في عام
1986 عدت إلى بلدي لأتزوج في ذلك العام إمراة من مدينة نابلس واستمر زواجي معها
لمدة 5 سنوات ثم أنفصلت عنها لأسباب شخصية وفي عام 1991 تزوجت من زوجتي الحالية
لتنجب لي أولادي الذين يملأون حياتي بالفرح و السرور و رزقني الله بتسنيم و علاء، محمد، الاء، احمد.
وفي
عام 2006 بدأت العمل في جامعة النجاح عمدرس في قسم اللغة الأنجليزية لأصبح بعد
فترة وجيزة رئيسا لقسم اللغة الأنجليزية بقيت أعلم في جامعة النجاح أجيال خلف
أجيال حتى أني أصبحت أرى الجامعة البيت الثاني لي وطلابي بمثابة أولادي أعاملهم
بمعاملة الأب لإبنائه .
وفي
عام 2018 وصلت لنهاية مسيرة التعليم لأتقاعد من الجامعة وإنني أكتشفُ أن أشبالُ
بلادي هي الأذكى وهذا يُعطيني فخراً بوطني
الذي ليس له مثيل.
ألا
ليت الشباب يعود يوما فأخبره بما فعل المشيب